الخطيب الشربيني

235

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

في مثله أو من قول الأطباء أو لمشقة شديدة تلحقه بالصوم أو بولائه ولو كانت المشقة لشدّة شهوة الوطء أو خوف زيادة مرض فَإِطْعامُ أي : فعليه إطعام سِتِّينَ مِسْكِيناً أي : من قبل أن يتماسا حملا للمطلق على المقيد بأن يملك كل مسكين من أهل الزكاة مدّا من جنس الفطرة كبر وشعير وأقط ولبن فلا يجزئ لحم ودقيق وسويق ، وخرج بأهل زكاة غيره فلا يجزئ دفعها لكافر ولا لهاشميّ ومطلبيّ ولا لمواليهما ولا لمن تلزمه مؤنته ولا لرقيق ، لأنها حق الله تعالى فاعتبر فيها صفات الكمال . ذلِكَ أي : الترخيص العظيم لكم والرفق بكم والبيان الشافي من أمر الله الذي هو موافق للحنيفية السمحة ملة أبيكم إبراهيم عليه السلام لِتُؤْمِنُوا أي : ليتحقق إيمانكم بِاللَّهِ أي : الملك الذي لا أمر لأحد معه فتطيعوا بالانسلاخ عن أمر الجاهلية وَرَسُولِهِ أي : الذي تعظيمه من تعظيمه . ولما رغب في هذا الحكم رهب في التهاون به بقوله تعالى : وَتِلْكَ أي : هذه الأحكام العظيمة المذكورة حُدُودُ اللَّهِ أي : أوامر الملك الأعظم ونواهيه التي يجب امتثالها والتعبد بها لترعى حق رعايتها فالتزموها وقفوا عندها ولا تعدوها ، فإنه لا يطاق انتقامه إذا تعدّى نقضه وإبرامه وَلِلْكافِرِينَ أي : العريقين في الكفر بها أو بشيء من شرائعه عَذابٌ أَلِيمٌ أي : بما آلموا المؤمنين به من الاعتداء فإن عجز عن جميع خصال الكفارة لم تسقط الكفارة عنه بل هي باقية في ذمته إلى أن يقدر على شيء منها ، فإذا قدر عل خصلة من خصالها فعلها ، ولا يتبعض العتق ولا الصوم بخلاف الإطعام حتى لو وجد بعض مدّ أخرجه ، إلا لأنه لا بدل له وبقي الباقي في ذمته . قال الزمخشري : فإن قلت فإذا امتنع المظاهر من الكفارة هل للمرأة أن تدافعه قلت لها ذلك وعلى القاضي أن يجبره على أن يكفر وأن يحبسه ، ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار وحدها لأنه يضرّ بها في ترك التكفير والانتفاع بحق الاستمتاع فيلزم أبدا حقها فإن قلت : فإن مس قبل أن يكفر قلت عليه أن يستغفر ولا يعود حتى يكفر لما روي أن سلمة بن صخر البياضي قال لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم : ظاهرت من امرأتي ثم أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعثها فقال عليه الصلاة والسلام : « استغفر ربك ولا تعد حتى تكفر » « 1 » ا . ه . والمراد بالاستغفار هنا : التوبة . ولما ذكر تعالى المؤمنين الواقفين عند حدوده ذكر المحادين المخالفين لها بقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ أي : يغالبون الملك الأعلى على حدوده ليجعلوا حدودا غيرها وذلك صورته صورة العداوة ؛ لأنّ المحادة المعاداة والمخالفة في الحدود وهو كقوله تعالى : وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ [ الحشر : 4 ] وَرَسُولَهُ أي : الذي عزه من عزه ، وقيل : يحادّون الله أي : أولياء الله كما في الخبر « من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة » « 2 » والضمير في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يحتمل أن يرجع إلى المنافقين ، فإنهم كانوا يوادّون الكافرين ويظاهرونهم على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فأذلهم الله تعالى ويحتمل أن يرجع لجميع الكفار فأعلم الله تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم أنهم كُبِتُوا أي :

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الطلاق حديث 1199 ، والنسائي في الطلاق حديث 3457 . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة في الفتن حديث 3989 بلفظ : « من عادى للّه وليا فقد بارز اللّه بالمحاربة » ، وأخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 8 / 102 ، 477 .